| منارة جامع السيدة زينب بالقاهرة | | |
|
إن من يريد أن ينهل من السيرة النبوية العطرة ويقتفي آثار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أثرا أثرا اقتداء وتعبدا لله عز وجل لابد له من سبر أغوار مختلف المراجع المتعلقة بهذا الموضوع والتي أشرنا إلى ما تيسر لنا منها في العدد الأول والتي تتكلم في الغالب عن نسبه وحسبه وقومه وبعثه وهجرته وغزواته ....إلى آخره. وفي العدد الثاني سأحاول فقط إبراز جوانب مختلفة من شخصيته العطرة التي تعتبر من أشهر الشخصيات العالمية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا مضت وبلا منازع وبشهادة أشهر المؤرخين والكتاب حتى من خارج العالمين العربي والإسلامي. فأقول وبالله التوفيق وعليه التكلان : إن الله أرسل نبيه محمدًا صلى اللهُ عليه وسلم رحمة للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، ففتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، والواجب على المسلم أن يكون على علم بأخلاقه وسيرته العطرة صلى اللهُ عليه وسلم امتثالًا لِقَولِهِ تَعَالَى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].وقد أثنى الله تعالى على خلق نبيه فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ﴾ [القلم: 4].وقد كان صلى اللهُ عليه وسلم أحسن الناس خُلُقًا، فلم يكن فاحشًا، ولا متفحشًا ولا سبابًا ولا لعانًا وما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فيكون أبعد الناس عنه، قَالَ تَعَالَى:﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]،.وكان دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، كان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويكون في مهنة أهله، ويمشي مع الأرامل والمساكين، ويجيب دعوتهم، ويقضي حاجتهم، ولا يعيب على الخدم ولا يوبخهم. روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسٍ رضي اللهُ عنه قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي : أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟ "سنن الترمذي" (برقم 2015)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأصله في الصحيحين. وَمَا سُئِلَ عَن شَيءٍ صلى اللهُ عليه وسلم مِن أَمرِ الدُّنيَا فَرَدَّ طَالِبَهُ[7]،"صحيح البخاري" (برقم 6034) ، و"صحيح مسلم" (برقم 2311).وَكَانَ عليه السلام أَزهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنيَا، فَقَد خُيِّرَ بَينَ أَن يَعِيشَ فِي الدُّنيَا مَا شَاءَ اللهُ، وَبَينَ لِقَاءِ رَبِّهِ فَاخْتَارَ لِقَاءَ رَبِّهِ " مسند الإمام أحمد" (25 /376) (برقم 15997)، وقال محققوه: إسناده ضعيف، لكن الحديث صحيح في استغفاره لأهل البقيع، واختياره لقاء ربه. وَكَانَ يَمُرُّ الهِلَالُ تِلْوَ الهِلَالِ، وَمَا يُوقَدُ فِي بَيتِهِ نَارٌ. "صحيح البخاري" (برقم 6459)، و"صحيح مسلم" (برقم 2972).وَيَبِيتُ اللَّيَالِيَ طَاوِيًا وَأَهلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً. "سنن الترمذي" (برقم 2360)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وَكَانَ يَقُولُ:
"م َا لِي وَلِلدُّنيَا؟! مَا أَنَا إِلَّا كَرَاكِبٍ استَظَلَّ تَحتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ تَرَكَهَا وَرَاحَ " سنن ابن ماجه" (برقم 4109)، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (2 /394) (برقم 3317).قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ يَلتَوِي مِنَ الجُوعِ مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلُأَ بَطْنَهُ. والدقل هو الرديء من التمر. وَمَاتَ وَلَم يُخَلِّفْ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، إِلَّا سِلَاحَهُ، وَبَغْلَتَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً[14]."صحيح البخاري" (برقم 4461).وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِندَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ[15]."صحيح البخاري" (برقم 4467)، و"صحيح مسلم" (برقم 1603).ونختم كلامنا عن سيرته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم في هذا العدد بشيء قليل من الكلام عن عبادته فقد كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ: كَيفَ تَصنَعُ ذَلِكَ وَقَد غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَقُولُ :" أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا؟!""صحيح البخاري" (برقم 1130)، و"صحيح مسلم" (برقم 2820).قَالَ أَنَسٌ رضي اللهُ عنه : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ.
" صحيح البخاري" (برقم 1141).يتبع في العدد القادم إن شاء الله.