مجلة النجم

مجلة النجم، شهرية ثقافية فكرية من إنتاج مجموعة من المثقفين العرب في المهجر

random

آخر الأخبار

random
recent
جاري التحميل ...

العبودية الجديدة...

بقلم م. حمدي حمودي


مساهمات أو إبداعات أو تراكمات تلك التي أخذ ورقتها الزمان ذات يوم بين سبابته والإبهام، يقلبها يمينا وشمالا وهو شارد الذهن على محياه الف علامة استفهام ؟

إنها جمل من الأفكار وباقات من المعارف وحزم من النور في مختلف المجالات.

التجارب وطرق الحياة وأسرارها وكنهها وما صنع الإنسان وما يصنع.

مئات المكتبات في الأندلس التي اختفت بفعل غباء وجهل الإنسان ووشايات إبليس للإنسان عند أخيه الإنسان.

بل مكتبات بغداد التي حول حبرها  نهر دجلة والفرات الى سواد بعد أن رميت فيها ملايين الكتب الثمينة زمن هولاكو وجنكيز خان.

إنها ملايين القصاصات والكتيبات والكتب والمجلدات والموسوعات في مختلف العلوم أنتجها الإنسان منذ يوم خوله الله خليفة له في الأرض.

كيف لمنهج دراسي اليوم أن ينقل كل تلك المعارف الى الأجيال الجديدة؟

سؤال طرحه للإنسان عبر العصور، وكان قد جاوب عليه من خلال قوالب ذهنية، فحول المعارف الى مواد قابلة للحفظ في الذاكرة على هيئة مواد صوتية من أشعار وقصص وروايات وخطب وغيرها تمرر الى المتلقي بالصوت لتحفظ في الذاكرة.

ثم تطورت الى الرسم والنحت والكتابة التي لانزال نستخدمها الى اليوم، مع أن قضية الحفظ تحولت الى الصوت والصورة وحتى اللمس أيضا.

تم التخلي عن الذاكرة كوعاء للحفظ الى أسطوانات ومسجلات وحافظات ضخمة تعمل بالكهرباء والإشعاعات والمغناطيس نجمع فيها كل معارف الكون ونستفيد منها من خلال حواس السمع والرؤية في تخلٍ عن ملكة الحفظ في الذاكرة البشرية شيئا فشيئا الى ذاكرة تلك الأجهزة كبديل.

الدماغ في كثير من الدول أصبح فقط للتحليل وتقليب المادة التي في الأجهزة كمراجع والاستفادة منها.

لم يعد الطفل في التعليم مجبرا على حفظ جدول الضرب بل هناك الآلة الحاسبة التي تنوب عنه.

وهنا نعود الى ما يتكرر يوميا في الحداثة والتطور من الاستغناء عن حواس الإنسان بالتدريج فبعد الاستغناء عن يده الماهرة في صنع الأشياء التي أستعيض عنها بأيدي الروبوت ليس في صناعة بعينها بل في كل الصناعات.

نجد اليوم الاستغناء عن المدرسة حيث أن ملايين الأطفال في بيوتهم نتيجة هذا الوباء المتفشي 

يستفيدون من مواد تعليمية في الفضاء الإلكتروني فقط دون اللجوء الى المعلم.

وتتبارى المواقع الإلكترونية في الاستحواذ على المتتبعين وسوف تتصارع طبعا ليس على الجودة فقط بل على الفتك بالآخر المنافس.

عالم يتغير باستمرار وتستحوذ الأجهزة الإلكترونية التي بلا مشاعر ولا أحاسيس يوما بعد يوم على الأهم والأخطر وهو الذاكرة، سيصبح للإنسان ذاكرة إلكترونية فقط، والأخطر هو الذاكرة الإلكترونية التحليلية التي نلمسها من خلال برامج التحليل ليس لمواد رياضية بل لمواد تخص العلوم الإنسانية وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها.

إن دعوة الرئيس الأمريكي ترامب بل توقيعه مرسوم لمقاييس التوظيف في هياكل الدولة هذه الأيام الى الاعتماد على الكفاءة بدل الشهادة من المؤسسات التعليمية لم تأت من فراغ بل هي استنتاجات وخلاصات تصب في نفس الوادي وهو التحضير للتحول الهائل القادم في عالم لم يعد أي كان يستطيع التنبؤ بمستقبله القريب ولا البعيد عالم لا يستطيع أحد أن يعرف اتجاهه لكن الغالب فيه هو من يملك التكنولوجيا الجديدة ويعرف كيف يستفيد منها ليصرع غريمه.

ويطرح سؤال وجيه الآن هل الصراع العالمي اليوم بين الإنسان وأخيه الإنسان أم أنه في حقيقته بين الآلة والإنسان؟

فمن خلال هاتفك ومشترياتك وبرامج التحليل تستطيع الآلة بشكل آلي أن تحسب ميزانيتك الضرورية وتدق على بيتك متاجر "أمازون" لتقدم لك المواد الغذائية الضرورية دون أن تستطيع إلا أن تشكر.

إذا كسرت القوانين وتجاوزت السرعة ستجد أن حسابك البنكي سحبت منه الغرامة وإذا لم يكن معك مال في حسابك فلن يفتح لك الطريق للمرور. فالآلة ليس لها قلب كي تفهم أنك مضطر بين الموت والحياة أو تحمل شخصا مريضا أو حالة مستعجلة.

لا موعد مع طبيب اليوم إلا عن  طريق الهاتف الخاص. 

الآلة التي  نشكي من تدخلها في حياتنا الآن كنا نقتنيها أمس حبا ورغبة وكجزء من الكماليات واليوم إجباري عليك اقتناؤها ولم يعد شيء يمنع من فرضها عليك ولا حاجة الى حشد المبررات لإقناعك أو ترغيبك.

وهنا يصبح الأمر تدريجيا مفروضا ويحد من حريتك ومن اختياراتك ومن رغباتك وهنا تفقد حريتك وذلك يعنى الانتصار عليك أيها الإنسان وانك صرت عبدا شئت أم أبيت.


عن الكاتب

صحراوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مجلة النجم