لقد تم نشر هذا لموضوع في ماي 2016، ورغبة في الإفادة ونظراً لراهنية مجمل القضايا التي يتناولها، نعيد نشر نسخة مستكملة من المقال.
في خطاب الاستجداء الذي ألقاه ملك المغرب، محمد السادس، خلال قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة المغربية التي عٌقدت بالرياض بالمملكة العربية السعودية أواخر الشهر المنصرم (أبريل 2016)، والتي أثبتت بالفعل أن الطيور على أشكالها تقع، قال ملك المغرب بكل ثقة إن "المغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد". بيد أن الوقائع خصوصاً على مستوى الأمم المتحدة وتعاطيها مع مسألة الصحراء الغربية تؤكد، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن مملكة محمد السادس، وسواء أحب الشعب المغربي ذلك أم كرهه، ما تزال محمية فرنسية بكل ما لهذا المصطلح من دلالات تاريخية وعملية.
وكما هو معلوم، أصبح المغرب محمية فرنسية بموجب معاهدة فاس التي تم إبرامها في 30 مارس 1912 بين الجمهورية الفرنسية والسلطان عبد الحفيظ تنازل بموجبها هذا الأخير عن سيادة المغرب لفرنسا، وهو الأمر الذي أعتبره حينها كثير من الوطنيين المغاربة خيانة عظمى. وكما تنقل المصادر التاريخية المتعددة، قامت فرنسا بعزل السلطان عبد الحفيظ من منصبه بعد ذلك بنحو أربعة أشهر وعينت مكانه أخاه الأصغر يوسف بن الحسن (الجد الثاني للملك المغربي الحالي)، لما كانت ترى فيه من ضمان لمصالحها ويسر التحكم به. وقد نص البند الثالث من المعاهدة المذكورة على أن "حكومة الجمهورية الفرنسية تتعهد بمساندة صاحب الجلالة الشريفة على صد كل خطر يمس شخصه الشريف أو عرشه أو ما يعرض أمن بلاده للخطر. المساندة تشمل أيضا ولي عهده وسلالته". إن المتتبع لتاريخ وتطور العلاقات الفرنسية المغربية منذ بداية القرن العشرين إلى حد الآن يرى بجلاء أن منطق الحماية والوصاية الاستعمارية (بمفهومها السياسي والاقتصادي والثقافي)، الذي استندت إليه معاهدة فاس، مازال إلى حد كبير يؤطر العلاقات متعددة الأبعاد بين البلدين.
وفي هذا السياق العام، وتحملاً منها على ما يبدو لمسؤوليتها التاريخية تجاه المغرب، قامت فرنسا الرسمية برمي كامل ثقلها لثني مجلس الأمن عن القيام برد سريع ومناسب على السابقة التي أقدم عليها المغرب بطرد الوحدة المدنية التابعة لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) في شهر مارس 2016. وقد نٌقل عن فرنسا إصرارها على ضرورة استخدام "الدبلوماسية الهادئة" لمعالجة "الأزمة" التي نجمت عن تداعيات تطاول المغرب على شخص الأمين العام الأممي والمنظمة التي يمثلها عقب زيارته للمنطقة. ولو أن المراد من الطرح الفرنسي كان هو محاولة ربح الوقت لتقويض وتفريغ رد المجلس المحتمل من محتواه الاستعجالي، بيد أن الرسالة الواضحة التي يمكن استخلاصها من هكذا موقف هي أن فرنسا، حسب منطق وصايتها الاستعمارية، ما تزال تعتبر نفسها ولية أمر الدولة المعنية، وبالتالي هي الأولى من غيرها بالتخاطب مع الطرف المغربي لتسوية هذه المسألة. وهكذا جاء رد مجلس الأمن المتضمن في جملة "عناصر للصحافة"، التي تم الإعلان عنها من قبل رئيسه الدوري وقتها، والتي شدد فيها المجلس، ضمن جملة أمور أخرى، على "أهمية معالجة الظروف التي أدت إلى الوضعية الحالية بطريقة بناءة وشاملة وتعاونية"، وهذا في الوقت الذي كان فيه المجلس مطالباً بالرد الحازم والسريع على موقف أحادي الجانب وخطير ويمس من مصداقية وسلطة المجلس نفسه.
وقد قامت فرنسا أيضا برمي كامل ثقلها لتعديل محتوى مشروع قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية باسم ما يسمى ب "مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية" التي سنبين أمرها لاحقاً. وكان من نتيجة مرافعتها المستميتة عن مصالح محميتها هو تعديل نص الفقرة الثالثة من منطوق مشروع القرار التي نصت على مطالبة "الأمين العام أن يقدم إحاطة إلى المجلس في غضون 60 يوما (وليس"90 يوما" كما هو وارد في القرار المتبنى في نهاية المطاف) عما إذا كانت البعثة قد عادت إلى أداء وظائفها كاملة، ويعرب عن عزمه، في حال عدم أداء البعثة لكامل وظائفها، على أن ينظر في خطوات فورية (وليس "أفضل السبل" كما هو وارد في القرار المتبنى) لتيسير تحقيق هذا الهدف". ولعله من الجدير بالإشارة أيضاً أن فرنسا هي التي ظلت تصر منذ 2007 على تضمين قرارات مجلس الأمن المتتالية حول الصحراء الغربية، في ديباجتها، لعبارة "يرحب بالجهود المغربية المتسمة بالجدية والمصداقية والرامية إلى المضي قدماً بالعملية صوب التسوية"، كتعبير ضمني لدعم فرنسا لموقف المغرب بهذا الخصوص. وفي ظل هذا الموقف الفرنسي السخي والمعتاد، لا غرو في أن يقوم سفير المغرب في الأمم المتحدة، الذي أكسبه عمله في جنيف سمعة لا يحسد عليها، بالإطراء والثناء على فرنسا على ما قامت به من جهود للدفاع غير المشروط عن مصالح محميتها.
وربما كان من المفيد في هذا المقام لفت الانتباه إلى حقيقة أن جميع قرارات مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية، ومنذ منتصف التسعينات إلى حد الآن، تتم صياغتها والتفاوض حولها قبل تقديمها إلى المجلس من قبل مجموعة عمل من تنصيب نفسها تدعى، كما أشرنا سابقا، "مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية" (Group of Friends of Western Sahara). وفي البداية ضمت المجموعة، التي أٌسست في أوائل 1993 بمبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية، ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن أو ما يعرف بال (P3) وهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، وبعد ذلك انضم إليها الاتحاد الروسي كعضو دائم أيضاً ثم إسبانيا بعد انتخابها كعضو غير دائم في المجلس في 1993. وبالرغم من أن هذه المجموعة لعبت وما تزال تلعب دوراً بارزاً في جميع المسائل ذات الصلة بمسألة الصحراء الغربية على مستوى مجلس الأمن، بيد أن الهدف الأصلي من تكوينها كان أبعد مما كان يتوقعه الجميع من حيث إنها ستكون المتابع المباشر والضامن لتنفيذ "خطة الأمم المتحدة للتسوية في الصحراء الغربية" التي اعتمدها مجلس الأمن نفسه، وبالتالي إيجاد حل عادل ودائم للنزاع. فمن الناحية العملية تشكلت هذه المجموعة أساساً كوسيلة للحفاظ على التوازن في السياسة الأمريكية في شمال إفريقيا ولمنع الصراع من أن يصل إلى حد المواجهة العسكرية، وفقا لما صرح به إدوارد ووكر، الذي شغل منصب نائب رئيس البعثة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة في الفترة ما بين 1993 و1994 والذي كان وراء الترويج لمبادرة تكوين هذه المجموعة. وهذا ما يفسر حقيقة أن الولايات المتحدة أصبحت فيما بعد هي المسؤولة عن "وضع المسودة الأولى" (Penholder) لكل القرارات ذات الصلة بالصحراء الغربية على مستوى مجلس الأمن. وعلى الرغم من أن هذه المجموعة بدأت كمنتدى مفتوح لأعضاء المجلس غير الدائمين الآخرين (ففنزويلا والرأس الأخضر، مثلاً، حظيتا ذات مرة بعضوية المجموعة)، إلا أنها تحولت مع مرور الوقت إلى نادٍ مغلق له احتكار فعلى وشبه كامل لجميع المسائل المتصلة بمسألة الصحراء الغربية على مستوى مجلس الأمن. إن حقيقة أن مشاريع القرارات التي يتم التفاوض والاتفاق عليها أولاً داخل نطاق هذه المجموعة كثيراً ما تٌقدم لبقية أعضاء المجلس كقرارات نهائية وغير قابلة للنقاش إنما تدل، في اعتقادي، ليس فقط على الطابع غير الديمقراطي لهذه المجموعة وإنما أيضا على إيثارها للقرارات التقنية القائمة فيما يبدو على توافق الآراء والإجماع الذي يخفي وراءه في الواقع المصالح والأجندات والمواقف السياسية الخاصة لأولئك الذين يتمتعون بنفوذ أكبر في مجلس الأمن. ومن المهم جداً الإشارة إلى أن القرارات التي تناقش على مستوى هذه المجموعة لم تعد تحظى بالإجماع كما كان عليه الحال سابقاً في ظل امتناع الاتحاد الروسي عن التصويت على قرارات المجلس حول الصحراء الغربية منذ أبريل 2018 مما يدل على رفض هذا العضو الدائم في المجلس للمقاربات التي تصدر عن بعض أعضاء هذه المجموعة والتي تبتعد عن المعايير التي تحظى بإجماع المجلس بخصوص مسألة الصحراء الغربية.
وعلاوة على أن فرنسا هي الآن الشريك التجاري الرئيسي (من حيث التصدير والاستيراد والاستثمار الأجنبي) للمغرب، فقد ظلت فرنسا الرسمية وفية لدعمها للمغرب وملوكه عبر العقود الماضية. ففرنسا فاليري جيسكار ديستان هي التي ساندت مغرب الحسن الثاني في اجتياحه للصحراء الغربية ولم تبخل عليه بالدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري للاستمرار في ضمه غير الشرعي للإقليم، بل أنها استخدمت عتادها الجوي المتمركز في قاعدتها بدكار في السينغال لقنبلة الجيش الصحراوي في أواخر ديسمبر 1977 في إطار ما سٌمى ب "عملية لامانتين" (Opération Lamantin). وفرنسا هي التي استخدمت دبلوماسيتها ونفوذها السياسي والاقتصادي للتأثير على مواقف بعض الدول الإفريقية الفرنكوفونية تجاه علاقاتها مع الجمهورية الصحراوية وخاصة في عهد جاك شيراك الذي بلغ به صلفه الاستعماري وتماديه في دعم سياسة محميته التوسعية حد وصف المناطق الصحراوية المحتلة من طرف المغرب خلال زيارته لهذا الأخير في ديسمبر 2001 بأنها "أقاليم جنوبية".
وقبل كل ذلك، بذلت فرنسا كل ما في وسعها لحماية المغرب ودعمه بنحو سافر عبر كل المحطات التي مرت بها خطة التسوية الأممية الإفريقية التي قبلها طرفا النزاع، جبهة البوليساريو والمغرب، وصادق عليها مجلس الأمن في مطلع تسعينيات القرن الماضي. فحينما أعلن مغرب محمد السادس رفضه القاطع لاستفتاء تقرير المصير في 2004 واقتراحه وقتها لحلول بديلة لم تعلن فرنسا دعمها الصريح فحسب لتلك الحلول التي لا سند لها من المنظور القانوني بل أنها أيضا مارست نفوذها (بما فيه الاستخدام الضمني لحق النقض) لمنع مجلس الأمن من أخذ موقف حازم من تصرف المغرب غير المسؤول، وهو الأمر الذي جعل ممثل المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة حينها يتحدث عن الدعم "المطلق" الذي كانت تتلقاه بلاده في مجلس الأمن. وفضلا عن ذلك، يذهب الكثير من المحللين إلى أن فرنسا جاك شيراك هي بالأساس من شجع المغرب على تقديم تلك الحلول كذريعة تكتيكية لتحويل الأنظار عن تملصه من التزاماته تجاه خطة التسوية واتفاقيات هيوستن ولخلق ديناميكية جديدة على مستوى تعامل مجلس الأمن مع قضية الصحراء الغربية. وقد كان أول مؤشر على هذه المقاربة المستحدثة، والتي عملت فرنسا على تشجيعها وبمعية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، هو قرار مجلس الأمن الصادر في أبريل 2007 وما تضمنه من لغة عكست بجلاء ما وصلت إليه الأمور حينها على مستوى مجلس الأمن من قبيل ما نوهنا إليه آنفا. كما أن فرنسا ساهمت بنحو أساسي في إجهاض المشروع الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية في أبريل 2013 بشأن اقتراح توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية. وقد استنكرت عدة مؤسسات ومنظمات حقوقية دولية تصرف فرنسا هذا لصالح المغرب، حيث وصفه كينيث روث رئيس منظمة هيومن رايتس ووتش بالأمر "البغيض" و"المخزي". وباختصار، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها في هذا الصدد هي ما عبر عنها بإيجاز البروفسور يحيى زبير، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة اورو ميد مارسيليا الفرنسية، في مقال له صدر في شهر أبريل 2016 حيث قال إن "الموقف الذي تتخذه فرنسا تجاه المغرب يماثل موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، ففرنسا الآن أصبحت بمثابة بديل للمغرب في مجلس الأمن".
ولم تقتصر رعاية فرنسا للمغرب على مساندتها الدائمة له في كل ما يتصل بمسألة الصحراء الغربية فحسب بل تعدته لتشمل مناطق أخرى من العالم. فقد قامت القوات الفرنسية بالنقل الجوي لوحدات من الجيش المغربي للمشاركة في الحرب في الزائير (الآن جمهورية الكونغو الديمقراطية) إلى جانب الرئيس الزائيري موبوتو سيسي سيكو في عام 1976. وقد تمت العملية بإشراف "نادي سفاري" (Safari Club) وهو التحالف الذي أقيم عام 1976 بمبادرة فرنسية وضم أجهزة مخابرات كل من إيران الشاه ومصر والمملكة العربية السعودية والمغرب وفرنسا. هذا التحالف الذي كان يعمل أيضا بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، كان يرمي إلى خلق معسكر سري لصد المد الثوري في القارة الإفريقية، كما ينسب إليه أيضاً الفضل في الشروع في العملية التي أسفرت عن "معاهدة السلام" بين مصر وإسرائيل في 1979 والتي بدأت بمحادثات سرية بين الطرفين تحت رعاية الملك المغربي، الحسن الثاني.
ومجمل القول إن ما عرضناه أعلاه بشأن الدور الحيوي الذي ظلت فرنسا تلعبه في دعم المغرب في كل ما له صلة بمسألة الصحراء الغربية في المنتديات الدولية والقارية يكذب بنحو جلي زعم بعض المسؤولين الفرنسيين بهذا الصدد، من قبيل التصريح الذي أورده السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة جيرارد أرود في حسابه على تويتر عقب مصادقة مجلس الأمن على قراره بشأن الصحراء الغربية في 2014، والذي قال فيه "إن المغرب قادر على الدفاع عن مصالحه دون الحاجة إلى أي دولة بما فيها فرنسا". واللافت للانتباه هنا هو أن نفس الدبلوماسي الفرنسي هو الذي نٌسب إليه القول في 2011 بأن المغرب هو "كالعشيقة التي نخادنها كل ليلة، والتي رغم أننا لا نكن لها أي حب يبقى من واجبنا الدفاع عنها"، حسب ما نقلته صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 24 فبراير 2014، وهو التصريح الذي وصفه وقتها وزير الاتصال المغربي ب"المشين وغير المقبول".
ورغم تعاقب الحكومات الفرنسية يمينها ويسارها على قصر الإليزيه في باريس، فإن موقف هذه الدولة من الصراع في الصحراء الغربية لم يتغير جوهرياً، مما يدل على أن ثمة طبقة سياسية-اجتماعية فرنسية مؤثرة لم تستطع بعد التغلب على عقدة الانكسار والإذلال التي منيت بها فرنسا خلال حربها الاستعمارية في الجزائر. فبعد أكثر من قرن من الاستعمار والاضطهاد والاستيطان، استطاعت ثورة التحرير الجزائرية، ثورة المليون ونصف المليون شهيد، أن تهزم فرنسا وأن تمرغ أنفها في التراب تمريغاً لترحل بعد ذلك صاغرة وإلى الأبد من "الجزائر
الفرنسية" (L’Algérie française)، حسب ما كان يسميها الفرنسيون الاستعماريون في ذلك الحين.
وبدلاً من محاولة التصالح مع ماضيها الاستعماري واستخلاص العبر منه، كما فعلت دول استعمارية أخرى، فإن فرنسا الرسمية اختارت التمسك بالمنطق الاستعماري مستخدمة في ذلك ما بقي من محمياتها غير المباشرة والمباشرة، من قبيل المغرب، للتصدي لكل من لا يرضخ لوصايتها وهيمنتها السياسية والاقتصادية والثقافية على ما تعتبره مناطق نفوذها الأبدية في القارة الإفريقية. ومن المثير للاهتمام أن القيم الجمهورية الملهمة للثورة الفرنسية في 1789 التي أطاحت بالملكية كنظام للحكم، وأسست للنظام الجمهوري في فرنسا، والتي شكلت فيما بعد صلب "المهمة الحضارية" (La mission civilisatrice) التي نصبت فرنسا نفسها لنشرها عبر العالم، لم يظهر لها أي تأثير يذكر في طبيعة النظام المستبد في المملكة المغربية بنحو يثير العديد من التساؤلات. إن هذا التناقض الجوهري في الخطاب الاستعماري الفرنسي، الذي تناوله بالتحليل العديد من منظري مرحلة ما بعد الاستعمار، إنما ينم عن أن فرنسا الرسمية كانت وماتزال أحرص على خدمة مصالحها الذاتية أكثر من أي اعتبار آخر. وما تمسكها بما يسمى بالمنظمة الدولية للفرنكوفونية إلا دليل على إصرارها على منطق الهيمنة والوصاية الاستعمارية في تعاملها مع معظم مستعمراتها السابقة. بيد أن الهيمنة الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا خاصة لم تكن لتتأصل وتستمر لولا الولاء الذي ظلت تبديه نخب معينة في القارة السمراء ممن وصفهم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، في تقديمه لكتاب المنظر التحرري، فرانتس فانون، "معذبو الأرض" بأولئك الذين يقومون بدور الوسطاء من "ملوك صغار مشترون، وإقطاعيون وبرجوازية زائفة" من صنيع الصفوة الأوروبية لخدمة مصالحها.
وخلاصة القول إن كل ما سبق يقودنا للتأكيد، وبكل ثقة، أنه لولا فرنسا بالأساس لما قامت للمملكة المغربية قائمة على المستوى الجهوي والدولي ولما تجاسرت على الانخراط في مغامراتها التوسعية في المنطقة ولا على المعاندة والغطرسة أحيانا في تعاملها مع مسألة الصحراء الغربية على مستوى الأمم المتحدة. وهذا ما يجعلنا نؤكد أيضاً أنه لفرنسا وسياساتها ومواقفها تجاه مسألة الصحراء الغربية نصيب معتبر في استمرار المشكل، وبالتالي فإنها اليوم تتحمل قسطاً أكبر من المسؤولية ليس فحسب عن إيجاد حل عادل ودائم للصراع الصحراوي المغربي، بحكم موقعها في مجلس الأمن، وإنما أيضا عما نجم عن هذا النزاع من معاناة إنسانية وانتهاكات جسمية للقانون الدولي والإنساني وعما قد ينجر عن استمراره من تهديد للأمن والاستقرار الإقليميين.
وختام القول إنه يُنقل عن الوزير الأول البريطاني السابق، اللورد بالمرستون، قوله أمام مجلس العموم في عام 1848 "ليس لدينا حلفاء أبديون وليس لدينا أعداء دائمون. إن مصالحنا هي الأبدية والدائمة، ومن واجبنا أن نتبع تلك المصالح". هذه المقولة التي أصبحت تجسد أساساً راسخاً في السياسة الدولية القائمة على المصالح الوطنية قد توحي بأن طبيعة واستمرارية الدعم الفرنسي للمغرب قد تتبدل يوما ما بتغيير المعطيات الداخلية والجهوية أو الدولية وما قد يحدثه ذلك من تحول في تصور فرنسا لمصالحها في المغرب، ولكن ما يصعب التغلب عليه بالتأكيد هي العقد المتأصلة في الوعي الجماعي للأفراد والدول، والتي تسكن هاجس تلك الدول وتصوراتها لما تعتبره أساس هويتها وعظمتها تاريخاً وسياسياً. ومما لا ريب فيه أن لفرنسا الرسمية عقدة عميقة الجذور تعود لتاريخها الاستعماري في المنطقة، ويبقى السؤال المطروح هو متى ستتصالح فرنسا الرسمية مع تاريخها ومع قيم ومبادئ ثورتها لتدرك حينها أن زمن الاستعمار والوصاية قد ولى وأن نظرتها لمنطقة شمال وغرب إفريقيا التي ما تزال تسترشد بذهنية الماضي هي السبب الجوهري في تقلص فرص إقامتها لعلاقات سليمة وفعالة تستهدي بنظرة مستقبلية وتقوم على أساس التكافؤ والاحترام الكامل والنفع المتبادل بينها وبين كافة شعوب ودول المنطقة.
