بقلم د. نبيل الجزائري
وإذا بالكلّ هنا في الغرب ينتفض ضدّ تاريخ ظالم جائر ، يستند إلى مقوّمات إنسانية فرضت نفسها انطلاقا من فطرة تنامت مع الحسّ النقدي و التعايش المتلازم و المدنية الغالبة . اضطرّت السلطات الحكومية البريطانية إلى نزع كثير من التماثيل التي ترمز إلى العبودية واستغلال الإنسان : Edward Colston , Robert Milligan , Robert Baden-Powell.وقد سبقتها جماهيرها الغاضبة من البيض والسود، كما سبق الأمريكيون في نزع رأس تمثال الرحالة الإيطالي كريستوفر كولومبوس قبل أن يُلقى في النهر ، وتماثيل أخرى خُلّدت إلى أجل محدود ممّن مارسوا مجازر في حقّ السود تنتظر نفس المصير .
يقول وزير في بريطانيا : "لن يكون لتاجر رقّ تمثال هنا في المملكة المتّحدة !" ، في إشارة منه إلى قطيعة دائمة مع جزء كبير من تاريخها الأسود ، وتوبيخ رسميّ لممارسة قديمة اشتهرت بها أسماء أوربية وتوارثتها أيديولوجيات مريضة ، شكّلت قوساً متراميَ الأطراف يحدّ من زوايا التفكير و عقلية الانفتاح على الآخر .
التماثيل التي يعبدها أعداء التمدّن وشواذّ الفطرة آن لها أن تسقط ؛ لقد كان النبيُّ إبراهيم عليه السلام و هو الذي أعطاه الله رجاحة العقل في الحجّة والبرهان ، و منطق المناظرة والحكمة ، أوّل من أبطل هذه الرمزية الشاذّة المنحرفة ، وحاول أن يعلّم أهله منطق الواقع والتواصل معه زمنيا وفكريا ، و أن يربط الذهنية البشرية بفوقية الإله الذي خلق كلّ شيء وأعطى لكل شيء قدرا ، دون أن يكون في ذلك اضطرار إلى مصاحبة الأوهام المجرّدة من القواسم المشتركة بين الأقوام .
إنّ الذين يريدون اليوم تنصيب تماثيل وأصنام جديدة في منظومتنا الفكرية والحضارية ليسوا منّا في شيء ،هم فقط يريدون لنا عقلا بسيطا لا مركّبا، وتفكيرا لا يبتعد عن نقطة الصفر ، وهي محاولة استشراقية قديمة نصبت فخاخها في معظم بقاع أراضي المسلمين لتجعل منهم دائما توابع لا نوابغ ، و تحكم سيطرتها على إنسان يريد أن يتصالح مع تاريخه كما هم يحاولون اليوم التصالح معه لإدراكهم بحتمية هذه العملية في تحقيق الاستقرار وتنمية الإنسان المنتج .
