![]() |
| بقلم أ. محمد أسلامة بادي |
عاطل عن العمل منذ زمن لا تسعفه ذاكرته المثقوبة على تذكرّه.
لكنه يذكر جيدا أنه منذ أيام ثلاثة لا يكاد يجد قوت يومه! الدريهمات القليلة التي كانت تؤنس وحشة جيبه بدأت في النفاد. يتضور جوعا منذ أيام ثلاث، لكنه سيستمر في التحايل على بطنه، ما أمكنه ذلك، متأسيا بالشاعر العبسي عنترة، حتى ينال يوما كريم المأكل.
أما القلب الولهان فهيهات أن يتحمّل، ولو يوما واحدا، غيّاب صوتها الملائكي الذي ملأ عليه وحشته. اليوم، يشعر بجوع شديد، لكن وطأة الكمد والأسى التي خلّفها تسلّل آخر الدريهمات من الجيب التعيس، في غفلة منه، كانت عليه أشد. رصيد هاتفه لا يسمح له بإجراء مكالمة علّه يسمع صوتها مجددا.. وفي القلب تنتصب خيّم العزاء حزنا.
اليوم تشتدّ عليه وطأة الجوع و ما عاد يجديه محاكاة عنترة؛ فقد بات على الطوى وأظله أياما بلياليها لكنه ما عاد يحتمل المزيد. مهلا، بل بإمكانه تحمّل المزيد. ما لا يمكن تحمّله حقا هو جوع هاتفه! فجأة خطرت بباله فكرة؛ اندفع كالمجنون نحو خزانة ملابسه، وبدأ في تفتيش جيوب ملابسه، جيبا.. جيبا، فلطالما فاجأته تلك الجيوب بمبالغ كان قد نسيّها كلّما أراد أن يغيّر ملابسه. لكنه، فيما يشبه الخيبة، لم يعثر على غير ورقة من فئة خمسة أورو لا غير !صفق الباب خلفه، مرّ بمخبزة تفوح منها رائحة الخبز الطازج ثم بمقهى يبيع ساندويتشات طالما ارتادها، لكنه ظل يقاوم في عناد إلحاح بطنه.. دلف محلا للهواتف واشترى بطاقة رصيد، عبأها في الحال. استجمع كل قواه، لا يريد أن يشعرها بأثر الجوع الكافر عليه. قال لها بصوته الجهوري، الذي أراده أريحيا:
اشطاري گاع؟
وشماسيين مع الحمان، يسمح ألنا منكم؟ جاءه صوتها موسيقى لفرح غامر أنست القلب لوهلة أحزان الغيّاب الوشيك. حرص أن يودعها، كما يليق بها، وهي أميرة القلب، لكن قرقرة البطن سابقت صوته الجهوري، فاضطر أن ينهي المكالمة التي تمنى أن تمتد دهرا، لولا رصيد آل إلى النفاد وقرقرة بطن لم تعد تجدي فيه حيلة عنترة!
