مجلة النجم

مجلة النجم، شهرية ثقافية فكرية من إنتاج مجموعة من المثقفين العرب في المهجر

random

آخر الأخبار

random
recent
جاري التحميل ...

السائرون تحت الأرض

 

بقلم الأديبة سماح الجمال

قرَّرتُ أن أكتبَ روايتي القادمة بمذاقٍ مختلفٍ، أكسرُ فيها تقاليدَ الكتابة، وأخرجُ عن المألوف بعالمٍ جديدٍ تمامًا، من قلبِ الشارع، فوق الأرصفةِ، مختلفة.. طازجة.. بكر.. لم يمسسها فكرُ مؤلفٍ من قبل، قرَّرتُ أن أكتبَ من الواقع.

ما زالت كلماتُ الناقدِ المتحذلق ترنُّ في أذني: 

متى تكتبُ الواقعَ؟ كتاباتُكَ بالشوكة والسكينة.. تخاطبُ شريحةً.. لن تعيشَ، ولن يُخَلَّدَ اسمُكَ، إلَّا في أذهان الخاصة.. إنَّكَ تكتبُ كمن يمُنُّ على القرَّاء بكتاباته. أنصحُكَ بتركِ الأدبِ لناسِه.. إنَّكَ كاتبٌ سياسيٌّ لا يُشقُّ له غبار.

ألم يخجل من أن يوجِّهَ نقدَه الجاهلَ لشخصي، وأنا رئيسُ تحرير أكبر جريدة بمصر!!

استفزَّني النقدُ الذي خرج عن كونه موضوعيًّا، هكذا رأيتُ في البداية، وكان ذلك أثناء حفلِ توقيعي لروايتي الأخيرة "السماء السابعة"، ويمكن أنَّ هذا النقاشَ الساخنَ والهجومَ هو الذي رفع أسهمها فباعت نسخًا كثيرةً، ودارُ النشر بصددِ إصدارِ الطبعة العاشرة، وجعلتني نجمَ شاشات التليفزيون للبرامج الثقافية، ومائدةً مُستساغةً للنقَّاد والصحفيين، لكنِّي لم أفرح بالبيع، والمكسب، والنجاح، واسمي الذي أصبحَ يتردَّدُ في كلِّ مكانٍ كروائيٍ.

أصبحتُ أواجه نفسي أين أنا؟ هل أنا أكتبُ فعلًا للخاصةِ؟ هل كتاباتي لا تهمُ الجميع؟ هل أكتبُ من نظرةٍ فوقيةٍ فعلًا؟ 

حينها قرَّرتُ أن أبحثَ لنفسي عن طعمٍ خاصٍ يظلُّ وسط الناس.. رائحةُ البُنِّ، التي ننتشي بتذوقه، ونتلذَّذُ بارتشافه في كلِّ مكانٍ، ووقتٍ، وحالةٍ.

لم أجد أفضلَ من أن أكتبُها على مقهًى شعبيٍّ جلستُ عليه مَرَّةً مصادفةً، استغربتُ ممن يكتبُ وممن يقرأُ هناك! الكلُّ يتكلَّمُ في وقتٍ واحدٍ.. ضوضاءُ مزعجةٌ.

أصعب لحظات الكتابة هي لحظة القنص.. بها قوةٌ وشراسةٌ لتأتي بعدها مرحلةُ المهادنةِ والتطويعِ.

استخلاصُ الفكرةِ من عرين الضوضاء المزحوم بها عقلي هي المعضلةُ..

قرَّرتُ التمردَ على نفسي.. سأكتبُ بهمجيةِ الشارعِ.. لن أجلسَ بمكتبي أنمِّقُ وأزركشُ الأفكارَ.. لن أشربَ قهوتي، وأميلَ رأسيَ المُثقلَ بالأفكار، وأغوصَ في أريكتي الحمراءِ المريحة، والأبوابِ مانعة الصوت، وفنجاني الصيني المذهَّب، سألتحمُ بالناس. 

تناولتُ إفطارًا بسيطًا أعدَّتُه لي خادمةُ المنزل.. فنجانَ شايٍ، وقطعةَ توستٍ مُحَمَّصٍ، وقليلًا من مربى المشمش... على السريع ارتديتُ "بنطلونَ جينزٍ" بلونه الأزرق التقليدي، وقميصًا أزرقَ، ليحتمَّل غبارَ القاهرة، وتلوثَها المزمن، تخلَّيتُ عن مفاتيحَ سيارتي، اليوم سيكون مختلفًا في كلِّ شيءٍ.

وأنا على الباب تقريبًا رنَّ موبايلي..

لن أردَّ.. لا أريدُ لأيِّ شيءٍ أن يخرجَني من تلك الحالة.. انتهى الجرسُ.. أرسلَ المتصلُ رسالةً على الواتساب: "صباح الخير أديبنا الكبير.. معكَ محرِّرُ القسمِ الأدبيِّ لمجلة الفنون، كنتُ أودُّ أن أجريَ معكَ حوارًا عن روايتك الأخيرة "السماء السابعة".

لا.. لن أستسلمَ.. سأكملُ.. تعجبُني فكرةُ التمرُّدِ.  

كنتُ وصلتُ للشارع، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلةٍ لأنتقل بها  إلى المقهى.. لن أركبَ "تاكسي"، أريدُ أن أعيشَ حالةَ البطلِ، الفكرةُ تلحُّ، الفوضى، الشارعُ، مللتُ الكتابةَ من الطابق التاسع بمكتبي بالجريدة.

مشيتُ شارعًا طويلًا، حتى قابلتني سيارةُ "ميكروباص" محمَّلةٌ عن آخرها، وقفَ لي السائقُ واندهشتُ، أشارَ أنَّ هناك ما زال مقعدٌ خالٍ ركبتُ بالمقعد الخلفي.. بدأت العربةُ بالتحرك.. ذهني مُشتت.. ذكرياتٌ تتزحزحُ من مكانها، أخرجني صوتُ السائقِ، والألفاظُ الغريبة، وصوتُ الأغنيات التي تخرجُ من هذا الجهاز المظلوم.. من الخطأ أن نطلق على هذه الكلمات وتلك الأصوات أغنيات!! ناهيك عن الصوتِ العالي الذي يتحدَّثُ به جميعُ الركاب داخل "الميكروباص".. أشعرُ أنِّي أعرفُهم جميعًا من خلال محادثتهم بالموبايلات التي بين أياديهم، والتي لا تتوقفُ، الكلُّ يتكلمُ، ويحكي أدقَّ التفاصيل، وكأنَّه بغرفةٍ مغلقةٍ، لا أحدَ يرى أو يسمعُ غير نفسِه، قد تكونُ مادةً خامًا لكثيرٍ من الروايات التي لم يكتبها أحدٌ، أشعرُ بأنَّ ذهني مشتتٌ، لا أستطيعُ الاستمرارَ بالجلوس بتلك العربة.

ولكن راعني مَنْ حولي، الكلُّ مستسلمٌ معتادٌ، لم يهتز له جفنٌ، وكأنَّ هذا طبيعيٌّ، قرَّرتُ أن أتركَ نفسي للتجربةِ للآخر، وأحاولُ استجماع أفكاري، استسلمتُ مثل الجميع.

وعند الانتهاء من كوبري قصر النيل، ودَّعنا الأسدين، وكأنهما شهودٌ على أحداثِ مصرَ بصمتٍ، ودخلنا ميدانَ التحرير.. نزلتُ.. أخذتني الذكرياتُ لبعض الوقت.. أخرجتني الزحمةُ والفوضى من تلك الحالة، سلكتُ يسارًا في اتجاه شارع طلعت حرب.. لفت انتباهي "كافيه ريش"، ولكنِّي رأيته فارغًا من الناس، كم كان يعجُّ بالمثقفين والفنانين، لزمنٍ طويلٍ، لم أدخل.. وجدتُ تجمُّعًا، وعددًا كبيرًا من رواد الثقافة على" مقهى البستان"، وفور جلوسي جاءني النادلُ ليعرف طلبي، طلبت قهوةً سادةً.. غابَ وقتًا، وإذا به يُحضِرُها في كوبٍ، ليس كفنجاني المنمَّق الذي أتيتُ به في آخر زيارة لي للنمسا، وابتسم، وقال:

بُن محوِّج للإلهام.. مش حضرتك بتكتب بردو؟ متهيأ لي شفت صورتك قبل كدا..

 ابتسمتُ له ولم أرد، فرحلَ، وهو مندهش.

أشعلتُ سيجارتي، وأنا أفكرُ، كيف كان يكتب الرائع (نجيب محفوظ) في الشارع على المقهى؟ واستطاع أن يُخرِجَ هذه الروعة، كان موجودًا بجسده، لكنَّ ذهنَه معه، منفصلٌ تمامًا، وملتحمٌ بفكرته.

آه لو تأتيني الفكرةُ.. لن أتركها فلتأتِ، وتريحُ رأسي من تلك العذابات.

مَرَّ الوقتُ سريعًا، وأنا في أفكاري أرتحلُ من هنا إلى هناك، أتفحَّصُ كلَّ الوجوه، ورسومات شخصيات ثقافية وفنية على جدران المقهى، وكنت أنصتُ للأحاديث والتعليقات من حولي علَّني أجدُ بطلَ روايتي. شعرتُ بجوعٍ شديدٍ، وكأنِّي لم أتناول شيئًا من أيامٍ، تلفَّتُ حولي أبحثُ عن هذا الصوت الأنثوي الذي هبط من السماء على الأرض فجأة.. امرأةٌ جميلةٌ في حدود الثلاثينات من عمرها، وجسدٌ ممشوقٌ، وحولها من يبتاع منها سندوتشات الفول الطازج، كنت أرى في عيونهم نوعًا آخرَ من الجوع لم أستطع أن أتجاهله، وكانت هي تشعرُ به، وتستطيعُ أن تتعاملَ بمهارةٍ مع تلك النظراتِ التي كادت أن تفترسَها.

نظرتُ إليها بإمعانٍ.. عرفتها.. بطلة روايتي الجديدة.. "السائرون تحت الأرض".



عن الكاتب

صحراوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مجلة النجم